كنداكة على نهر الراين
وكما يقولُ درويش في إحدى روائعه:
الجميلات هن القويات
يأسٌ يضيء ولا يحترق
الجميلات هن الأميرات
ربات وحي قلق
سيرة مشرقة، ومسيرة عنيدة ومُلهمة، سطرتها الفاعلة والمؤثرة (غادة صالح)، تلك المرأة الشفيفة التي لم تفتأ تقتلع الأحداث من سحيق ذاكرتها، وتلفظ بها على ظهر الأوراق، تُسطِّر ذكرياتها -منذ عدة أشهر- فوق قصاصات، وتودع تلك القصاصات -في مأمن- داخل درجٍ مهمل، على طاولة مكتب أو في مدوَّنة إلكترونية قصيِّة، وتتركها هناك حتى يطويها النسيان.
إلى أن تحادثنا ......
وبكثيرٍ من الحماسة تنهض فتنفض عن قصاصاتها الغبار، وتبعث بها إليَّ، وبذات الحماس أُقبل أنا على التهامها بشهيَّة امرأة أمدرمانية وجدت رُوحاً تشبه روحها، وأحداثاً تلهمها، وذكريات تشابه إلى حد ما ذكرياتها.
أقمنا -إسفيرياً- ورشة عمل مكثفة، تكمِّلُ هي النصوص والكتابات، وأتلقَّفها أنا بقلبٍ مفتوح وروح مُتلهِّفة، فأوسعها اطلاعاً وتحريراً ومراجعة، ثم نظل على الحال هذه لأيامٍ دون كلل أو ملل، ونغرق في عمل دؤوب، بعزيمة قوية، لم تفتر ولم يهدأ لها بال حتى أكملنا -بفضل الله- إخراج هذا العمل، بشكله الحالي والذي أظنَّهُ مُرضِياً، وبوسعه أن يصل إلى قلوب القُرَّاء والمهتمين ببساطة ولطف وعفوية، تماماً كما خرج من قلب صاحبته.
أجدها تقول وبحكمة خالصة هُنا: إن المرء يولد مرتين، مرَّة من رحم الأم وأخرى من رحم التجارب..
وأراني اتَّفِق تماماً مع ما ذهبت إليه، فجميعنا انجبتنا التجارب مرة أخرى، هذَّبت أرواحنا ووطَّنت قلوبنا وجعلتنا ما نحن عليه الآن.
) كنداكة على نهر الراين) سِفرٌ خالد، ووثيقة حياة، تقف بشموخٍ شاهدة على أن المرأة قادرة، قادرة على أن تفعل المستحيل إذا ما أرادت ذلك، وأن الأرواح الحرة لا تقيدها سجون الظروف، ولا تحدها حدود الجغرافيا، ولا تثنيها تضاريس الحياة بانبساطاتها أو تعرُجاتها.
هنا، في هذا العمل، أرى صوت امرأة صنعت فارقاً في حياتها وحياة الآخرين، ونقشت اسمها في دفاتر الحياة بكل إخلاص، وتركت أثراً سيظل خالداً لأجيال وأزمان قادمة، فهنيئاً لنا وللإنسانية، ولادة هذا المنجز.
رُقيَّة طه المغربي

تعليقات
إرسال تعليق