قصة سندريلا (سيكولوجية المرأة المقهورة)
ســندريـلا
سيكلوجية المرأة المقهورة !
بين الحقيقة والخيال في تلك الأحاجي المتوارثة , وعلى ناصية بعضٍ الموروثات المجتمعية في مختلف البيئات الثقافية, فوق شرفات الأحلام , تقف الكثير من الفتيات فاردة جدائلها المصبوغة ووجها المرهق الملطخ بمساحيق التجميل, في انتظار فارس الأحلام الذي سوف يأتي على ظهر سيارة بيضاء فارهة, فلم تعد هناك أحصنة ! .
تقف دون كلل أو ملل , تنفض عن ثوبها غبار التعب والشقاء , وتزيح عن وجهها عرق نيران الطهي التي تواجهها بقلب مكسور ونفس حائرة , تنتظر الساحرة لتمنحها ثوباً وحذاءاً تستطيع به حضور الحفل الذي ستلتقي فيه بالأمير الشاب , أملاً في أن تفوز بقلبه إن وافق مقاس الحذاء قدمها !
بين قصة سندريلا التي لا تغادر الموروث الثقافي لأي بلد في العالم , وبكل اللغات المنطوقة , في نسختيها الحديثة والقديمة , باختلاف قليل من التفاصيل وكثير من الواقعية , بينها وواقع المجتمعات العربية عموماً والسودانية خصوصاً , تشابه كبير يظهر جلياً في نظرته المجحفة تجاه المرأة والدور العظيم الذي يمكنها تأديته إن سمح لها المجتمع وساندتها الظروف .
نظرة كتلك من شأنها أن تنسج حول الفتاة حصاراً نفسياً واجتماعياً حاداً يجعل منها _ بلا شك _ أنثى مقهورة , لا تطمح بأكثر من أن تغادر حفل الحياة الصاخب برفقة أمير, تكرس حياتها لأجله وتغلق أبواب عقلها وقلبها عليه , تبذل ما في وسعها من عمليات تجميل وتقضي غالب وقتها في التزيين بانتظاره , وربما تنازلت مختارة عن القصر والخدم والسيارة في مقابل الحصول على (ضل رجل) لا أكثر.
رجل- أياً كانت صفاته - ينقذها من قهر زوجة الأب المتسلطة وقسوتها المتمثلة في المجتمع , بخلفيته الثقافية وسلطتة الذكورية والتنميط الذي يجعله يمارس- بقصد أو بدون قصد- كثيراً من العادات والممارسات الجائرة , تبدأ بالحرمان من التعليم والعمل , مروراً بالتمييز ضد المرأة لصالح الرجل في التربية وكافة مجالات الحياة , وانتهاءاً بالحقوق والواجبات والمواطنة والأهلية والمشاركة السياسية .
المجتمع الذي يقرر عنها دورها في الحياة, ويرسم لها –رغماً عنها - خارطة طريق معدة سلفاً بدقة , مرصوفة بعادات وتقاليد بالية , تقيد حريتها وتحد من خياراتها في التعليم والعمل ولا بأس أن تصل في بعض المجتمعات حتى إلى اختيار الزوج .
تداعيات القهر المجتمعي تلك تجعلها تنشأ بعقلية مستضعفة ونفسية مقهورة وربما مشوهة , تتجسد في شخصها كل صفات الضحية , تقعدها الكثير من الممارسات الإجتماعية الصارمة, والمعيقات الأسرية المعقدة , تظهر في التهميش والتعنيف النفسي والإجتماعي وسوء المعاملة , الأمر الذي يحد من طموحها ويجعل أقصى أمانيها_ وفقا للموروث الذي غرسه المجتمع فيها_ الزواج والانجاب فقط , بإعتباره هدفاً محورياً سامياً لا تستقيم ولا تكتمل الحياة إلا به , مهما علا شأنها وارتفع تعليمها ونالت ما نالت من الإستقلال المادي والمعنوي على حد سواء.
هدفاً توقف حياتها كلها في انتظار تحقيقه , ينغص عليها نجاحها وتقدمها , و لربما ظلمت نفسها أملاً في التخلص من نظرات المجتمع القاسية , وقبلت بمن لا يكافئها علماً ولا مكانة, لتصبح بين حجري رحى أحدهما الإستمرار في زواج بائس فاشل , والآخر أن تنفد بجلدها حاملة لقب ( مطلقة ) هرباً من شبح العنوسة الذي كان يطاردها .
فتجد نفسها مرة أخرى حبيسة سجن إنفرادي افتراضي جديد , فريسة لعزلة نفسية داخل قوقعة جديدة من قواقع المجتمع , تتلظى بناره وتكتوي بنظراته.
ولست هنا أعيب على الزواج أو أنتقص من أهميته , فهو أمر رباني له مقاصده الكريمة و أهدافه الحكيمة , إنما أعيب على المجتمع جعله هدفاً إستراتيجياً وحيداً , تدور حوله حياة المرأة منذ ميلادها وحتى وفاتها , ينتقص غيابه من مكانتها , ويحد وجوده من دورها المجتمعي العظيم , وما بإمكانها أن تفعله أماً ومربية , عاملة وطبيبة ومزارعة ومعلمة .
فالمجتمع بممارساته و سلطتة الذكورية المحكمة , قلص على مر الأزمان من دور المرأة , وأفلح في جعلها تستمرأ القهر وكأنه سنة فطرية , لا يمكنها الشذوذ عنها, وربما ارتضت مشاعر القهر تلك , برغبة خفية في لعب دور الضحية (سندريلا المقهورة , أو فاطمة السمحة في النسخة السودانية من القصة) !
خلاصة القول أنه ربما استطاعت حواء السودان كسر بعض القيود التي ظلت تكبلها جيلاً بعد آخر , وتأخذ من دورها وتحد من قدراتها , لتخرج من قوقعة الأعراف المقيدة والتقاليد المجحفة , إلا أنه لازال هناك المزيد أمامها لتحارب لأجله, متوكئة على مبادئها وعلمها , متحيزة لأهدافها وعملها , متوشحة في سبيل ذلك بالوعي والإقدام , لتثبت للجميع من حولها أنها تستطيع أن تفعل أكثر , وأن الله الذي خلق الإنسان وكرمه وسخر له السماوات والأرض , وصور البشر ذكوراً وإناثاً , جعل لكل منهما دوراً هاماً في الحياة , يكتمل بالآخر ولا ينقص منه أو يبغي عليه .
رقية طه المغربي
مارس ٢٠٢٠
سيكلوجية المرأة المقهورة !
بين الحقيقة والخيال في تلك الأحاجي المتوارثة , وعلى ناصية بعضٍ الموروثات المجتمعية في مختلف البيئات الثقافية, فوق شرفات الأحلام , تقف الكثير من الفتيات فاردة جدائلها المصبوغة ووجها المرهق الملطخ بمساحيق التجميل, في انتظار فارس الأحلام الذي سوف يأتي على ظهر سيارة بيضاء فارهة, فلم تعد هناك أحصنة ! .
تقف دون كلل أو ملل , تنفض عن ثوبها غبار التعب والشقاء , وتزيح عن وجهها عرق نيران الطهي التي تواجهها بقلب مكسور ونفس حائرة , تنتظر الساحرة لتمنحها ثوباً وحذاءاً تستطيع به حضور الحفل الذي ستلتقي فيه بالأمير الشاب , أملاً في أن تفوز بقلبه إن وافق مقاس الحذاء قدمها !
بين قصة سندريلا التي لا تغادر الموروث الثقافي لأي بلد في العالم , وبكل اللغات المنطوقة , في نسختيها الحديثة والقديمة , باختلاف قليل من التفاصيل وكثير من الواقعية , بينها وواقع المجتمعات العربية عموماً والسودانية خصوصاً , تشابه كبير يظهر جلياً في نظرته المجحفة تجاه المرأة والدور العظيم الذي يمكنها تأديته إن سمح لها المجتمع وساندتها الظروف .
نظرة كتلك من شأنها أن تنسج حول الفتاة حصاراً نفسياً واجتماعياً حاداً يجعل منها _ بلا شك _ أنثى مقهورة , لا تطمح بأكثر من أن تغادر حفل الحياة الصاخب برفقة أمير, تكرس حياتها لأجله وتغلق أبواب عقلها وقلبها عليه , تبذل ما في وسعها من عمليات تجميل وتقضي غالب وقتها في التزيين بانتظاره , وربما تنازلت مختارة عن القصر والخدم والسيارة في مقابل الحصول على (ضل رجل) لا أكثر.
رجل- أياً كانت صفاته - ينقذها من قهر زوجة الأب المتسلطة وقسوتها المتمثلة في المجتمع , بخلفيته الثقافية وسلطتة الذكورية والتنميط الذي يجعله يمارس- بقصد أو بدون قصد- كثيراً من العادات والممارسات الجائرة , تبدأ بالحرمان من التعليم والعمل , مروراً بالتمييز ضد المرأة لصالح الرجل في التربية وكافة مجالات الحياة , وانتهاءاً بالحقوق والواجبات والمواطنة والأهلية والمشاركة السياسية .
المجتمع الذي يقرر عنها دورها في الحياة, ويرسم لها –رغماً عنها - خارطة طريق معدة سلفاً بدقة , مرصوفة بعادات وتقاليد بالية , تقيد حريتها وتحد من خياراتها في التعليم والعمل ولا بأس أن تصل في بعض المجتمعات حتى إلى اختيار الزوج .
تداعيات القهر المجتمعي تلك تجعلها تنشأ بعقلية مستضعفة ونفسية مقهورة وربما مشوهة , تتجسد في شخصها كل صفات الضحية , تقعدها الكثير من الممارسات الإجتماعية الصارمة, والمعيقات الأسرية المعقدة , تظهر في التهميش والتعنيف النفسي والإجتماعي وسوء المعاملة , الأمر الذي يحد من طموحها ويجعل أقصى أمانيها_ وفقا للموروث الذي غرسه المجتمع فيها_ الزواج والانجاب فقط , بإعتباره هدفاً محورياً سامياً لا تستقيم ولا تكتمل الحياة إلا به , مهما علا شأنها وارتفع تعليمها ونالت ما نالت من الإستقلال المادي والمعنوي على حد سواء.
هدفاً توقف حياتها كلها في انتظار تحقيقه , ينغص عليها نجاحها وتقدمها , و لربما ظلمت نفسها أملاً في التخلص من نظرات المجتمع القاسية , وقبلت بمن لا يكافئها علماً ولا مكانة, لتصبح بين حجري رحى أحدهما الإستمرار في زواج بائس فاشل , والآخر أن تنفد بجلدها حاملة لقب ( مطلقة ) هرباً من شبح العنوسة الذي كان يطاردها .
فتجد نفسها مرة أخرى حبيسة سجن إنفرادي افتراضي جديد , فريسة لعزلة نفسية داخل قوقعة جديدة من قواقع المجتمع , تتلظى بناره وتكتوي بنظراته.
ولست هنا أعيب على الزواج أو أنتقص من أهميته , فهو أمر رباني له مقاصده الكريمة و أهدافه الحكيمة , إنما أعيب على المجتمع جعله هدفاً إستراتيجياً وحيداً , تدور حوله حياة المرأة منذ ميلادها وحتى وفاتها , ينتقص غيابه من مكانتها , ويحد وجوده من دورها المجتمعي العظيم , وما بإمكانها أن تفعله أماً ومربية , عاملة وطبيبة ومزارعة ومعلمة .
فالمجتمع بممارساته و سلطتة الذكورية المحكمة , قلص على مر الأزمان من دور المرأة , وأفلح في جعلها تستمرأ القهر وكأنه سنة فطرية , لا يمكنها الشذوذ عنها, وربما ارتضت مشاعر القهر تلك , برغبة خفية في لعب دور الضحية (سندريلا المقهورة , أو فاطمة السمحة في النسخة السودانية من القصة) !
خلاصة القول أنه ربما استطاعت حواء السودان كسر بعض القيود التي ظلت تكبلها جيلاً بعد آخر , وتأخذ من دورها وتحد من قدراتها , لتخرج من قوقعة الأعراف المقيدة والتقاليد المجحفة , إلا أنه لازال هناك المزيد أمامها لتحارب لأجله, متوكئة على مبادئها وعلمها , متحيزة لأهدافها وعملها , متوشحة في سبيل ذلك بالوعي والإقدام , لتثبت للجميع من حولها أنها تستطيع أن تفعل أكثر , وأن الله الذي خلق الإنسان وكرمه وسخر له السماوات والأرض , وصور البشر ذكوراً وإناثاً , جعل لكل منهما دوراً هاماً في الحياة , يكتمل بالآخر ولا ينقص منه أو يبغي عليه .
رقية طه المغربي
مارس ٢٠٢٠
حقا صدقت القول هذه الموؤودة التي طمرها المجتمع تحت التراب ليخرس عاره تلك التي يسود وجه المجتمع حين يبشر بولادتها تلك التي ما زالت تباع في سوق النخاسة بعقد شرعي لتاجر قد لا يدرك لها قيمة سوى كغانية تشاركه الفراش لقد مزقو تلك الصفحات التي اكرمتها ورفعت شأنها ولم يتركو الا ما يجعلها صاغرة مدمرة بلا وجه ولا ملامح تحت قناع خانق من العادات والتقاليد في مجتمع يسوده الذئاب من الرجال
ردحذف