متلازمة الطب والأدب (الزين عباس عمارة)



الزين_عباس_عمارة

في سني صباي الأولى، وعلى رف قصيِّ في مكتبة والدي الثرة، ينزوي ديوان شعري أنيق بشكل ملحوظ  و متوسط الحجم. 

بفضول صبياني عفوي امتدت إليه يداي، لا أذكر الأشعار التي حملها  الآن، وتساورني الشكوك حول اسم الكتاب، إلا أن اسم المؤلف ظل عالقاَ في ذاكرتي لم يبرحها حتى اليوم، خاصة وقد علمت فيما بعد أو ربما من التعريف الذي تتصدره الكتب عادة، عن الكاتب، الطبيب الشاعر( الزين عباس عمارة) ، وهو من النماذج الكثيرة التي يتقاطع عندها الطب مع الأدب والشعر والرواية، مثله والدكتور معز عمر بخيت والدكتور عمر محمود خالد  ود. الفاتح عمر مهدي رحمه الله، وهذا غيض من فيض لا تسعفني ذاكرتي الآن للإسهاب فيه.

وأما العلاقة بين الطب والأدب فلازلت أبحث في كنهها ولم أجد ضالةً تشفي فضولي بعد.

وطبيبنا (عمارة) من أطباء علم النفس المميزين، الذين بلغ بهم تميزهم مبلغاً جاوز كل من هم مثله فهو مؤسس لأقسام  ومشافي الطب النفسي بدولة الإمارات ويعمل على رأس إحداها حتى الآن، والإمارات وولاة أمرها تُكن له عظيم تقدير وامتنان استحقه بإخلاصه وولاءه لعلمه وعمله.

أما الشعر فله فيه شأنٌ آخر، فشعره على ثوريته المجاهرة رقيق وشفاف ولطيف، تتنزل قصائده على القارئ كغيث، 

يتباهى بانتمائه لمعقل الحديد والنار فيقول:

أنا قد ولدت على ضفاف العطبرة

أولى المدائن في طريق المعركة

أرض الشهيد

ومنها كانت جذوة انطلاقه إلى حنتوب الثانوية ثم كلية الطب جامعة الخرطوم، ثم إلى جامعة لندن حائزاً على زمالة الأطباء النفسيين الملكية البريطانية، ليحط رحاله أخيراَ عام ١٩٧٥، في دولة الإمارات و التي قد طاب  _على ما يبدو_له المقام بها حتى الآن. 

ربما تحسر _شعراَ_ على حال بلاده والأمة العربية جمعاء، حتى بدا ذلك جلياً وملاحظاً في كثير من  أشعاره، خاصة تلك التي كُتبت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وقد كان شاباً فتياً وقتها و مثله وأبناء جيله، كان متشبعاً إلى حد كبير بأفكار القومية العربية والوطن الواحد، و متأثراً مهموماً  بالقضية  الفلسطينية،  فلا غرابة إذاَ في  أن ينشد حول ذلك ليقول:

أمام الله والتاريخ والإنسان

أمام الله قد سقطت حضارتنا بكل قداسة الأديان 

 بكل كرامة الإنسان

بكل خرافة الأمجاد والسلطان

ثم لا يفوته كوطنيِّ حر ثائر، أن ينزِّه قلمه وأشعاره من ريبة تملق الحُكام والسلاطين وتمجيدهم فيؤكد:

لم أمجد في حياتي أسم حاكم

لم أقف بالشعر ممتدحاَ به سلطان حاكم

لم أقف في حضرة الزعماء ألتقط الدراهم

أو أحوم على الولائم 

لم أكن يوماً من الأيام في شعري مسالم

تتأرجح أشعاره بين الشوق و العاطفة حيناً، والوطن والثورة والذكريات والشجون حيناً، وطب النفس وعلومه أحايين أخرى، ومن مؤلفاته في هذا الصدد : أضواء على النفس البشرية، مدخل إلى الطب النفسي، مقالات مختارة بين الطب والأدب، رحلتي مع الطب التفسي. 

 أما منتوجه الأدبي فغزارته تحول دون إحصائه في هذه القصاصة، وأكتفي بأن أذكر منه: إطلالة من شرفة أبوظبي، مرايا مهشمة، نقوش على البحر، و قصائد من بريطانيا، ويروادني الشك أنه الكتاب الذي سقط في يدي صدفة كما أسلفت في البداية.

ما أن قفزت هذه الذكرى إلى رأسي حتى طفقت أبحث عنه في دهاليز الإنترنت، لأجد في محصلة بحثي موقعاً إلكترونياً خاص به، يحوي سيرته الذاتيه وجميع إصداراته العلمية والأدبية وهي متاحة للتحميل مجاناَ من على الشبكة العنكبوتية.

رجل يشبه الوطن الذي ننشده،رقيق، ثوريٌ ومعطاء، من رعيل الثورات الأول الذي شهد أكتوبر ومايو وتغنى لهما، إرثه الأدبي لا يمكن تجاوزه وحريٌ بنا تسليط الأضواء عليه دراسة وتمحيصاً واحتفاءاَ به.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملخص كتاب📕(اكتشف شغفك)

ملخص كتاب📕 (٢٧ خرافة شعبية عن القراءة)

قصة قصيرة (ليل وبحر)