قصة قصيرة (ليل وبحر)



#عنوان_القصة_ليل_و_بحر

#الكاتبة_رقية_طه_عبدالخالق_مصطفى

السودان

تقف مذهولة غائرة العينين  مفلتة شعرها للريح على شفا شاطئٍ هائج مائج، متحدية اليافطة الفسفورية الفاقعة القابعة خلفها و  التي نقش عليها بشكل سافر :(يُمنع الوقوف هنا ) ولا تكترث.

تهمهم فقط في ضيق ،ما الذي بوسع البحر أن يفعله في فتاة مثلي أكثر مما فعل، حريُ بهم أن يخشون على البحر مني.

 في يدها تحمل صدَفةً كبيرةً تقربها ببطء وتؤدة إلي أذنها فيأتيها صوت أمواج البحر رطباً دافئاً دفئاً لا يشبه زمهرير شتاء ديسمبر هذا.

شبحٌ ما في ملابس قاتمة يفر شفتيه أمامها ويبتسم  فيبرق بياض أسنانه المصطنع في عينها، تعود بنظرها إلى البحر من جهة أخرى فتجده يقف شامخاً عنيداً أمام عينيها  يرقب الأطفال الذين يزركشون قلاعهم الرملية بالأصداف  العاجية الناعمة، وربما كان خشي عليها ثنايا أمواجه فيتلطف بها رفقاً وهو يسير جيئةً وذهاباً بفعل رياح هائجة مفاحئة.

تنظر حولها فإذا بآخرون يتسامرون على الضفة قربها، يلقمونه الأحجار في ضراوة ساخطين ربما على الحياة ومنها فيبدوا صبوراً صلداً محتملاً سخطهم وسذاجتهم ونحيبهم وبكاءهم، حاملاً فوق ظهره أرتالاً من الأحزان و الأعباء جيلاً بعد جيلٍ دون كلل أو ملل، يحمل في جوفه حياةً كي يمنحها الغير.

تلك النوارس التي لا تلبث تنفض أجنحتها مرحاً تتنقل بين الماء والغيم، ثم تأوب بأسرابها إلى الشط في أمان واستسلام، و الأوزات الوديعة تلك ترفل مزهوةً من فوقه وتغرز منقارها في خاصرته فيعود محملاً بالطعام.

يبحر الجميع فوقه وهو قابع حيث هو ومكبلُ من جميع جوانبه لا يبرح مكانه ولا يملك سوى اختلاجات الموج تلك!

لا يعبأ  للأيام ولا يآبه لمرورها أو تراكمها وعدادها،

ولد كبيراً إلا أنه لا يشيخ ، وصغيراً في الوقت ذاته  لكنه لا يكبر ولا يموت. يقظٌ يعجزه النوم ، وهادئ حيناً كنومة طفل رضيع شبع بعد جوع، ينمو ضجيج الحياة وصخبها حوله ، بينما يغرق في الصمت  لا يسمع سوى وقع ارتطام خلجاته بحافة الشط.

تواصل هذياناتها وتحادث الشبح قائلة: كيف لسبّاحٍ ماهر مثلك أن يُغرقه هذا البحر الهادئ؟ وأنت الذي كنت دوماً تدعي صداقته وتزعم أنك موالفه!

تُخبر أسراره وتحفظ أحجاره وأصدافه عن ظهر حب!

ثم تعود وتنظر إلى البحر متسائلة :من ذا يبتلع أصدقائه وأحباءه هكذا في غمضة عين دونما تردد أو غضاضة ؟

 يتأوه الشبح قاب قوسين من حيرتها ويأفلُ من جديد  حيث أتى.

لم تكن المرة الأولي التي يخترق حضوره المبهم خلوتها والبحر ولن تكون بالطبع الأخيرة .

السحاب يتحلق فوق رأسها وينذر بهطول أمطار غريزة  لكنها أيضا لم تكن لتكترث.


رقية طه عبدالخالق مصطفى

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملخص كتاب📕(اكتشف شغفك)

ملخص كتاب📕 (٢٧ خرافة شعبية عن القراءة)