حكاية إعدام جوزيف

 #حكاية_إعدام_جوزيف


حكاية للإنسانية والتاريخ


أبدأ مراجعتي المتواضعة هذه باحتجاج لطيف على تصنيف هذا العمل كرواية، وهو أمر قد أثار حفيظتي، وربما حفيظة الكثيرين غيري من القرَّاء والنقاد، ذلك أن بنية الراوية ومقوماتها واشتراطاتها المتعارف عليها  من وصف وسرد زمكاني، ولغة وتكثيف وغيرها، تختلف نوعاً ما عمَّا جاء في هذا العمل،  وليس هذا موضع اعتراضي، إنما لكون تصنيف هذا  العمل ( الهام) كرواية، من شأنه أن يوحي للقارئ بأن شيئاً من هذه الأحداث ربما يكون مختلقاً، أو من وحي خيال الكاتب فحسب، الأمر الذي يقدح في جدِّية وواقعية وأهمية هذا السِفْر، ويجحف في حقه إجحافاً كبيراً بلا شك،  ويجرِّده من مضمونه الفعلي، فضلاً عن  أن تجنيس هذا العمل الواقعي، ومحاولة إلحاقه بجنس الرواية الأدبي، ينزع عنه عظمته كوثيقة تأريخية حقوقية هامة ومؤثرة، وشهادة لله والتاريخ، ويضعف من قوته كإثباتات حيوية تناولت بالأدلة الدامغة و بشهادة العيان تلك الفوضى الهدَّامة، و التدهور المهني المريع، الذي أصاب الأنظمة العدلية والشُرطية أبان عهد النظام السابق.


حكاية إعدام (جوزيف) هي حكاية من طراز فريد، تبرز فيها البراءة و الضمير الحي،  في مواجهة الظلم والطغيان والتعدي، الذي أسماه د.ضيو (انهيار العدالة)، الذي مارسه البعض  من منتسبي تلك الأجهزة، فحدث أن وقع أكثره وبدون رأفة، على أخواننا أبناء الجنوب الحبيب، منذ نهاية فترة الديموقراطية الثالثة، ثم تفاقم  وازداد سوءً في بدايات عهد الإنقاذ.


يسرد  الكاتب في هذه الحكاية بشفافية بالغة، وبلغة واقعية بسيطة،  حوادث متفرقة من العنف والإنتهاكات البشعة، ويرصد عدداً مقدراً من الممارسات الشنيعة في حق بعض أبناء الجنوب،  دون أن تكون لهم أية صلة مباشرة أو ضمنية بفصائل التمرُّد، أو بالجيش الشعبي لتحرير السودان، ودون تورطهم في أية أعمال تمثل تهديداً على حكومة الشمال، لتكون هذه الأفعال وما شابهها  النواة التي مهدَّت الطريق وقتها، وعبأت الرأي العام الجنوبي نحو خيار الإنفصال.


بينما تدور القصة الرئيسة في الكتاب حول ملابسات قضية العامل البسيط (جوزيف)، الذي تم اتهامه زوراً وبهتاناً بجريمة جنائية كبيرة، لمحض تشابه في الأسماء فقط، ولكونه جنوبي أيضاً،  يتطرق الكاتب في خضم ذلك لسرد وقائع أخرى حقيقية، تتمثل في محاولة التخلص من الرقيب المتفاني بالجيش الوطني (سانتيو)، وصدور الأوامر بتصفي*ته لا لشيء عدا أنه امتثل  لأوامر مرؤوسيه، ورافق زملاءه في مأمورية (سرَّية) لحماية وفد جها*دي، ليرى قائده -فيما بعد- خطورة تواجده بين أفراد القوة، أيضاً لكونه جنوبي، وبشبهة -لا مبرر ولا أدلة عليها- بانتمائه إلى الجيش الشعبي، ولولا القدرة الإلهية التي تلطفت به لكان في عداد الموتى أيضاً.

ثم يطال الظلم في طوفانه ذاك (أنطوني) صديق المجني عليه (جوزيف)، والذي تعرض للسجن والإعتقال، بسبب احتجاجه وعدد من الطلاب الجامعيين، على سياسة تعريب المناهج الدراسية في الجامعات الجنوبية وجامعة جوبا على وجه التحديد.


ما من شك أن الكتاب يعدُّ إضافةً ثرةً للمكتبة الأدبية السودانية بشقيها الجنوبي والشمالي، وأن الضمير الإنساني اليَقظ الذي دفع بدكتور (ضيو)، لإعادة فتح هذه الملفات ونشرها، هو نفسه ما يحتم علينا نحن أبناء السودان شمالاً وجنوباً تكريس جهودنا الحثيثة، وتسليط الضوء مستقبلاً لفضح كل الممارسات الجائرة، التي ارتكبتها الأنظمة الفاش*ية السابقة، في سبيل الفصل العنصري، والتشظي وتأجيج الفتن والصراعات الإثنية القبيحة.


لاسيما وأن صدور هذا الكتاب يأتِ متزامناً مع ظروف سياسية متوترة، شبيهة بتلك التي مهَّدت الطريق حثيثاً لإنفصال الجنوب سابقاً، والتي ربما -بكل أسف-  تنذر ببوادر إنفصال جديد!


وبغض النظر عن كون الضحية المشار إليها في الكتاب يوسف أو جوزيف أو سانتو، فإن الجاني لايزال حراً طليقاً يغرز أسنانه الحادة في جسد السودان، ويسعى لتمزيقه مجدداً.


يجدر الذكر أن مؤلف الكتاب الدكتور ضيو مطوك هو وزير الإستثمار الحالي بدولة جنوب السودان، وهو أحد رجالات السلام في البلاد.


رقية المغربي


#كتب_خانة

#زاوية_لمراجعات_الكتب


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملخص كتاب📕(اكتشف شغفك)

ملخص كتاب📕 (٢٧ خرافة شعبية عن القراءة)

قصة قصيرة (ليل وبحر)