نوستالجيا الشهد والدموع
#نوستالجيا
#الشهد_والدموع
المكان_أم_درمان_بيت_جدي
الزمان ثمانينيات القرن الماضي
تميل الشمس إلى مغربها بعد يوم صيفي مشمس وشاق ،نقضيه في اللعب بالدمى القماشية بعد أن نخيط ملابسها من بقايا الأقمشة القديمة، أو بقطع الفخار وعلب معجون الطماطم التي نجمعها ونتخيلها أواني فاخرة للطبخ.
تَهب نسمات مسائية لطيفة فنأخذ خرطوم المياه ونبدأ في رش الفناء حتى تكاد تغرقه، ثم لا تلبث أن تمضي دقائق ويختفي الماء الذي تتشربه الأرض العطشى في الحال، نتعاون في إخراج الأسرة المعدنية الخفيفة من (البرندة) إلى الحوش ثم نبسط الفرش والملاءات من فوقها.
نُخرج التلفاز المربع صغير الحجم خفيف الوزن ونضعه على الطاولة الخشبية التي تحيط بها الأسرَّة المتراصة بجانب بعضها البعض استعدادا لقضاء الأمسية.
يبتدر التلفاز بثه المعتاد من قناة وحيدة يتيمة تبدأ برامجها في الرابعة عصراً ببرامج الأطفال ثم الرياضة ثم المنوعات حتى تحين التاسعة مساءاً ،
والتاسعة في أم درمان لها وقع آخر!
يبدأ الشباب بالعودة إلى المنزل ويَكفُّ الصغار عن الهرج والمرج ، تكمل النساء أعمال المنزل، ويضع الرجال الصحف جانباً، ويتحلق الجميع حول الصندوق المربع الصغير!
نجتمع صغاراً وكباراً، وربما توافد بعض الجيران من الذين لم يتسن لهم امتلاك تلفاز بعد ، ويَغط الجميع في صمتٍ مهيبٍ لا يقطعه إلا تتر المسلسل المصري معلناً بدء ميعاد التشويق والترقب والإثارة، والسناريوهات المتقنة في حكايا اجتماعية خالدة كانت تأخذ بالأنفاس.
يُحرك أحدهم العصا المثبتة فوق الصندوق المربع لتتضح الصورة أكثر، ويدور الشيئ باثاً روائع ما قدمته الدراما المصرية .
أعمال مثل زينب والعرش، الشهد والدموع، رحلة أبو للعلا البشري، مروراً بالراية البيضاء، وعصفور النار، ورأفت الهجان ثم ليالي الحلمية.
تصبح الحسنة(الشامة) التي تعلو شفاه (ألفت) أو نوال أبو الفتوح موضة الموسم، ويتصدر اسم (شهد) قائمة أسماء الإناث من مواليد تلك الحقبة تيمنًا بالمسلسل.
تصيح القديرة (سناء جميل) بثيمتها الشهيرة التي ظلت تكررها طيلة حلقات الراية البيضاء قائلة: (ولا يا حمووو،، التمساحة يلا) -والتمساحة هنا هي سيارتها المارسيدس الفارهة-، ليصبح التمساحة هو اللَّقب الرسمي بالبلاد لكل السيارات ذات الطرازِ المُشابه.
يمضي بنا الحال هكذا حتى العقد الذي يليه، نستبدل التلفاز بآخر يكبره حجماً، ويستمر على ذات المنوال تحلقنا حوله في التاسعة كل مساء، وتستمر الحكايا الخالدة، والتي كان ركيزتها الأساسية على الأغلب: (أسامة أنور عكاشة) في السيناريو والتأليف، بتواطئٍ لطيف ومثمرٍ مع (اسماعيل عبدالحافظ) (جمال عبدالحميد) و(محمد فاضل) في الإخراج، لتتسم حقبة التسعينيات بأعمال قيِّمة لا تقل عن أعمال الثمانينيات إثارةً وتشويقاً وحميمية:
(ضمير أبلة حكمت، زيزنيا ، حسن أرابيسك، والنوة، ثم تعقبها أعمال الشباب الأكثر عاطفية كالضوء الشارد، وما تبقى من أجزاء ليالي الحلمية).
على صغر أعمارنا إلا أننا نحفظ أسماء الممثلين عن ظهر قلب، عمالقة الفن الذين صدَّروا للعالم ولنا في قلب أم درمان دراما نقية، باذخة في الرقي والعفة، تخلو تماماً من أية ألفاظ صفيقة أو أفكار ملوثة أو مشاهد خليعة يستحي ربّ الأسرة أن يَتوسط أهل بيته وجيرانه لمشاهدتها.
شكلت تلك الأعمال وجدان أهل السودان وصقلت ذائقتهم، فاشرأبت طموحاتهم وآمالهم نحو الحبيبة مصر، أم الدنيا، للدراسة أو الإقامة أو العمل في مجالات الفن والموسيقى وغيرها، ما أفرز بالطبع توأمة متفردة في مجال السينما -على وجه الخصوص- أنتجت أعمالاً مشتركة جميلة ومؤثرة مثل الفيلم السوداني الغنائي الرائع (رحلة عيون).
الذي أدى بطولتة المطرب صلاح بن البادية والكوميديان الرائع الفاضل سعيد، رفقة القامة محمود المليجي والجميلة سمية الألفي.
الآن على مشارف العقد الثالث من حقبة الألفينيات، والفضائيات تغزو بيوتنا طوعًا وكرهاً، وتبث سمومها وخبائثها، لتصبح الشاشات مرتعاَ لاستعراض الأجساد والمساوئ، أجدنا اكثر حاجة للعودة إلى زمان الفن النبيل والكلمة الهادفة والأعمال النقية، وأجدنا في السودان خاصة، بعد عقود قضيناها في ظلام حكم الإنقاذ أحوج لاستعادة العصر الذهبي للدراما والسينما السودانية، واستفاقتها من سباتها العميق والعبور بها مرة أخرى إلى شباك العالمية، ولنشد على يد الشباب وقد بدأت أعمالهم تتلمس طريقها إلى هناك، ولازلنا في انتظار المزيد.💖
رقية طه المغربي

تعليقات
إرسال تعليق